الشيخ عبد الغني النابلسي
144
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وما ثمّة مثال أقرب ولا أشبه بالرّؤية والتّجلّي من هذا . واجهد في نفسك عندما ترى الصّورة في المرآة أن ترى جرم المرآة لا تراه أبدا البتّة حتّى أنّ بعض من أدرك مثل هذا في صور المرايا ذهب إلى أنّ الصّورة المرئيّة بين بصر الرّائي وبين المرآة . وهذا أعظم ما قدر عليه من العلم ، والأمر كما قلناه وذهبنا إليه . وقد بيّنّا هذا في الفتوحات المكيّة . وإذا ذقت هذا ذقت الغاية الّتي ليس فوقها غاية في حقّ المخلوق . فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدّرج فما هو ثمّ أصلا ، وما بعده إلّا العدم المحض . فهو مرآتك في رؤيتك نفسك ، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها . وليست سوى عينه . فاختلط الأمر وانبهم فمنّا من جهل في علمه فقال : العجز عن درك الإدراك إدراك . ومنّا من علم فلم يقل مثل هذا القول . بل أعطاه العلم السّكوت كما أعطاه العجز . وهذا هو أعلى عالم باللّه ، ( وما ثم ) ، أي هناك في عالم الخلق ( مثال ) لهذا التجلي الذاتي ( أقرب ) للفهم ( ولا أشبه بالرؤية ) للذات العلية ( و ) أشبه بنفس ( التجلي ) ، أي الظهور ( من هذا ) المثال المذكور ( واجهد في نفسك ) أيها الإنسان ( عندما ترى الصورة ) ، التي ظهرت لك ( في المرآة أن ترى ) بعينك ( جرم المرآة ) الذي هو نفس الفولاذ أو الزجاج فإنك ( لا تراه أبدا البتة ) ، أي قطعا من غير شك ولا شبهة ، وذلك لأن الصورة الظاهرة في المرآة تحجب المرآة عنك برؤيتك لها ، فلا ترى جرم المرآة إلا إذا محيت تلك الصورة منها مع أن جرم المرآة أقرب إليك من الصورة الظاهرة فيها ، على قول من يجعل ذلك انطباعا في صقالة وجه المرآة ، لا في نفس جرم المرآة ومن يجعل شعاع البصر يصك وجه المرآة ثم ينعكس على حقيقة الشيء الذي ظهرت صورته بالمرآة ، فالصورة التي في المرآة ليست فيها بل في ذات ذلك الشيء ، وإنما انعكس شعاع البصر بسبب صقالة وجه المرآة ( حتى أن بعض من أدرك ) بنفسه ( مثل هذا ) الأمر المذكور ( في صور المري ) جمع مرآة حيث استتر جرم المرآة عن بصر الرائي بسبب